السيد عبد الأعلى السبزواري
311
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
والمراد بالمستثنى في قوله تعالى : إِلَّا قَلِيلًا بعض اليهود الذين أقاموا على دينهم ، وهم الذين ذكرهم اللّه تعالى في حكايته عن الشيطان فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ سورة ص ، الآية : 83 ] ونسب إلى نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « العالمون هالكون إلّا العاملين ، والعاملون هالكون إلّا المخلصين ، والمخلصون على خطر » . ثم إنّ التوجه إلى شيء يلازم الإعراض عما يضاده وينافيه ، فهما من الصّفات ذات الإضافة بينهما التلازم شدة وضعفا ، أو كمالا ونقصا فمن توجه إلى شيء من حيث هو مع قطع النظر عن أنه صنع اللّه تعالى ومظاهر آياته ومورد قضائه ورضائه ، فقد أعرض عن اللّه تعالى بقدر ما توجه اليه ، وأما إذا كان توجهه اليه من حيث إنه مورد رضائه وطلبه لا يعد ذلك إعراضا عنه تعالى ، بل توجها إليه تعالى ، وهما يتحققان بالقلب ، إذ لا يمكن أن يتحقق التوجه إليه تعالى بالجسم لما ثبت في الفلسفة من امتناع الجهة بالنسبة إليه عزّ وجل ، قال تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ سورة البقرة ، الآية : 115 ] ، وقال جلّ شأنه : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ سورة الحديد ، الآية : 4 ] ، وقال تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ سورة ق ، الآية : 16 ] . والإعراض القلبي عنه عزّ وجل يكون إما بعدم الإعتقاد به ، أو عدم سماع أحكامه ، أو عدم العمل بها بعد الاستماع ، أو الاستهزاء بآياته ، أو التولي عن أنبيائه ورسله والقائمين مقامهم في التشريع . وفي الأخير يتحقق الإعراض القلبي والجسماني معا ، ويأتي التفصيل في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى . وقد نسب إلى جمع من المفسرين أن هذه الآية المباركة منسوخة واختلفوا في تعيين الناسخ ، فقد ذهب جمع إلى أن قوله تعالى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً منسوخ بآية السيف ، وهي قوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ سورة التوبة ، الآية : 29 ] وهو منسوب إلى ابن عباس وقيل غير ذلك . والحق أن الآية المباركة في مقام بيان أصل القانون وتشريع الحكم ،